الموروث الثقافي في رام الله
تاريخ النشر: 2007/10/24

يشكل الموروث الثقافي الفلسطيني جزء ذو أهمية كبيرة من الهوية الشاهدة على الحضارة والوجود والنضال الفلسطيني، حيث يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتشويهه وطمسه من ذاكرة ووعي الفلسطيني وسرقته، مما يستدعي علينا ضرورة التمسك به والعمل على أحياءه وإبرازه في مختلف المناسبات الفلسطينية.
ويعرف الموروث الثقافي بأنه: "كل ما خلده الإنسان من شواهد روحية أو مادية في تراثه الفكري، ورقيه الإنساني، سواءً أكان موروثاً لا مادياً كالحكايات والقصص والأساطير والأهازيج والرقصات الشعبية، أم كان تراثاً ملموساً (ماديّاً)، كأماكن العبادة، والأزياء التقليدية، والحلي وغيرها من المشغولات، ويتمتع بقيمة فنية أو تاريخية، وينبغي الحفاظ عليه، والعمل على توظيف هذا الموروث لصالح الحاضر والمستقبل."
ومن هنا أحياء الموروث الشعبي والحفاظ على خصائصه الفنية وإظهار أصالته شرط أساسي من شروط تخليد آثار الحضارة العريقة، فالفن القومي لأي أمة من الأمم مظهر لثقافة الشعب عبر الزمان والمكان.
وتشتهر فلسطين بتراث حضاري وفكري ذو قيمة تاريخية مهمة، حيث توجد فيها أقدس و أقدم المعالم الدينية الإسلامية والمسيحية العريقة، وخير دليل على عراقة وغنى فلسطين الحضاري هو وجود مخلفات أثرية ودينية تعود إلى العصور الكنعانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.
كما أن ما يميز مدينة رام الله هو هذا التناغم والتنوع والاختلاف في إطار الوحدة، فمنذ أن تحالف جد رام الله الشيخ صقر بن راشد الحدادين مع الشيخ حسين طنّاش في الصحراء الأردنية وتعاهدا على أن يعيشا معاً أو يموتا معاً، وبعد أن هاجرا معاً إلى فلسطين وسكنا جنبا إلى جنب في رام الله، المدينة تزخر بهذا الإرث الجميل من التناغم الحضاري والديني، ففيها الكنيسة بجانب المسجد، والمسيحي بجانب المسلم، والمئذنة بصوت مؤذنها تتعانق مع جرسية الكنيسة بصوت أجراسها.
ولكثرة من رغب بالسكن في رام الله بسبب هذا الميل العام نحو قبول الآخر، جعل منها مكان جذب للكثيرين من مختلف المناطق والبيئات والأديان ممن بحثوا عن الأمن والأمان. وقد خلق هذا الأمر أيضاً تنوعاً ثقافياً وحضارياً فريداً، ووجد الجميع فيه ما يصبون إليه فتشكلت هذه المدينة المنوعة في ثقافتها وتوجهاتها في إطار من التواصل الغريب.
وتمتاز فلسطين بموروث حضاري وعمراني ضخم في مختلف مدنها التاريخية، مثل القدس وبيت لحم ورام الله والخليل ونابلس، حيث تأسس في بداية تسعينيات القرن الماضي، مركز معني بالحفاظ على الهوية المعمارية الفلسطينية القديمة في رام الله وعموم فلسطين، تحت اسم مركز المعمار الشعبي الفلسطيني (رواق)، والذي عمل على تحضير مخططات حماية للمباني في التجمعات، وبخاصة تلك التي ما زالت تحافظ على مراكزها ونسيجها المعماري القديم، وكذلك تلك التي تحتوي على عدد كبير من المباني القديمة، بحيث تتم حماية أكبر نسبة ممكنة من المباني القديمة بمجرد حماية بعض التجمعات، ولذلك يمكن حماية ما نسبته 35% تقريباً من عدد المباني القديمة بمجرد حماية التجمعات التي تحتوي على أكثر من 200 مبنى قديم.
وقامت وحدة التخطيط في مركز رواق، بإعداد مخطط الحفاظ على التراث الثقافي للبلدة القديمة في رام الله، حيث تم تعيين حدود وجميع فئات التراث الثقافي في المنطقة التاريخية (من مبان تاريخية، وأحواش، وأزقة...ألخ)، وذلك بناءً على الدراسة الميدانية التي قام بها فريق العمل في الموقع. نتيجة ذلك تم تقسيم البلدة القديمة إلى منطقتين: "منطقة تاريخية أ" والتي تتميز بنسيج معماري تقليدي وعدد كبير من المباني التاريخية، و"منطقة تاريخية ب" والتي لم تعد تحتفظ بنسيج معماري تقليدي بالرغم من وجود عدد لا بأس به من المباني التاريخية فيها.
وتم تعيين كل المباني التاريخية المنفردة خارج هاتين المنطقتين. كما وتم وضع مسودة أحكام خاصة لتنظيم أعمال البناء في تلك المناطق، والتي تم نقاشها مطولاً مع لجنة أحياء البلدة القديمة المكونة من أعضاء في مجلس بلدية رام الله، هذا وتم إقرار جزء من هذه الأحكام من قبل لجنة التنظيم في البلدية، وذلك في إطار سعيها للحفاظ على الموروث الثقافي والحضاري للمدينة.
ويمكننا القول أن الموروث الثقافي والشعبي أصبح في وقتنا الحاضر يفقد شيئاً فشيئاً أهمية الحفاظ عليه، رغم أن التراث الشعبي المتمثل بالتقاليد الشعبية واللباس الشعبي الفلسطيني والأمثال والآثار، يحتل جزء هام من تراثنا الفلسطيني العريق الذي نفتخر ونعتز به، إلا أن ما يتعرض له من ضياع وتهميش بسبب الغزو الثقافي والتطور التكنولوجي الذي يسهم بشكل كبير في طمس وتهويد الهوية الفلسطينية وتذويب معالم تراثنا وحضارتنا العربية، إلا أنه لا زال الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده يستحضره في المناسبات و الأعراس و المهرجانات الوطنية والشعبية، ويعمل للحفاظ عليه من خلال أقامة معاهد ومراكز لتوثيق الموروث الشعبي وإقامة المعارض والحفلات الشعبية، إضافة إلى أنشاء مراكز خاصة بالفلكلور الفلسطيني.
حتى أصبح الاهتمام والحفاظ على الموروث الشعبي ضرورة ملحة، كونه يعتبر ثروة شعبية وقومية غير مختصة بجيل معين بل هو حق للناس جميعاً ولمختلف الأجيال، فمسؤولية أنقاذه جزء لا يتجزأ من واجب ورسالة بلدية رام الله الوطني والإنساني التي تسعى للحفاظ على التراث الفلسطيني وإبرازه في مختلف نشاطاتها وفعالياتها على مدار العام.